فخر الدين الرازي

167

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كَرِيماً وصف رزق الآخرة بكونه كريما ، مع أن الكريم لا يكون إلا وصفا للرزاق إشارة إلى معنى لطيف ، وهو أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس ، التاجر يسترزق من السوقة ، والمعاملين والصناع من المستعملين ، والملوك من الرعية والرعية منهم ، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه ، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار . وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه ، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزاق ، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 32 ] يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 32 ) ثم قال تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ لما ذكر أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلا أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء ، فقال : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ ومعنى قول القائل ليس فلان كآحاد الناس ، يعني ليس فيه مجرد كونه إنسانا ، بل وصف أخص موجود فيه ، وهو كونه عالما أو عاملا أو نسيبا أو حسيبا ، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم ، فإن من عرف رجلا ولم يعرف منه غير كونه رجلا يقول رأيت رجلا فإن عرف علمه يقول رأيت زيدا أو عمرا ، فكذلك قوله تعالى : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ يعني فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين ، وكما أن محمدا عليه السلام ليس كأحد من الرجال ، كما قال عليه السلام : « لست كأحدكم » كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة . ثم قوله تعالى : إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون متعلقا بما قبله على معنى لستن كأحد إن اتقيتن فإن الأكرم عند اللّه هو الأتقى وثانيهما : أن يكون متعلقا بما بعده على معنى إن اتقيتن فلا تخضعن واللّه تعالى لما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح منعهن من مقدماتها وهي المحادثة مع الرجال والانقياد في الكلام للفاسق . ثم قوله تعالى : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي فسق وقوله تعالى : وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي ذكر اللّه ، وما تحتجن إليه / من الكلام واللّه تعالى لما قال : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ذكر بعده وَقُلْنَ إشارة إلى أن ذلك ليس أمرا بالإيذاء والمنكر بل القول المعروف وعند الحاجة هو المأمور به لا غيره . ثم قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 33 ] وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ( 33 ) قوله تعالى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ من القرار وإسقاط أحد حرفي التضعيف كما قال تعالى : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [ الواقعة : 65 ] وقيل بأنه من الوقار كما يقال وعد يعد عد وقول : وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قيل معناه لا تتكسرن ولا تتغنجن ، ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زينتكن وقوله تعالى : الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فيه وجهان أحدهما : أن المراد من كان في زمن نوح والجاهلية الأخرى من كان بعده وثانيهما : أن هذه ليست أولى تقتضي أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة كقول القائل : أين الأكاسرة الجبابرة الأولى .